‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 30 نوفمبر 2011

التظاهرات الاخيرة : تمرين في الديمقراطية ام تمظهر مساءلة ؟ 2009

د. نهى الدرويش
           تعد التظاهرة نشاطا جماعيا واعيا وهادفا وموجها للمطالبة بحق او الاعلان عن رأي في اشكالية ما ، قد تكون اجتماعية او اقتصادية وغالبا ما تكون سياسية ذلك انها الية للضغط على اصحاب القرار للاستجابة للمطلب او الحق الجماعي العام .

        وقد تبنت الفلسفة الديمقراطية هذه الالية من منطلق الحقوق المترتبة على منح التمثيل النيابي وشرعية التعاقد بين المرشح والناخبين ، فالافراد يمتلكون حقين متلازمين يكفلهما اي دستور ديمقراطي وهما :حق الاعلان عن الرأي وما يترتب عليه من حزمة من الحريات مثل حرية التعبير عن الرأي ، وحق الافراد في المجتمع بمساءلة الحكومة بشكل غير مباشر من خلال مساءلة النواب للحكومة ،وبشكل مباشر من خلال مجاميع الضغط في المجتمع المدني وذلك عندما يلاحظ افراد المجتمع تقاعسا او ترهلا في مساءلة النواب للحكومة ،وهنا تكون مهمة المجتمع المدني عسيرة وشاقة وطويلة كلما كان اختيار الممثلين في مجلس النواب اختيارا غير موفقا ونقصد به هنا ان يكون على غير الاسس المنطقية والموضوعية لما يجب ان يتمتع به المرشح او حزبه السياسي من مواصفات نكران الذات والامانة والمصداقية والشفافية والحيادية  .

      وتعد سلسلة التظاهرات الاخيرة مؤشرا مهما لبداية مرحلة نضالية جديدة في المجتمع المدني العراقي لتفعيل دوره في مساءلة الحكومات المتعاقبة مستقبلا ، هذا الدور الذي يكاد يكون ضعيفا منذ عام 2003 ولحد الان ، اذ لا يعقل ان تخرج تظاهرة اثر كل انتهاك يتعرض له افراد المجتمع فالاصح ان يكون التظاهر او الاحتجاج او الاعنصام استثناء والقاعدة هو ان يكون لهذا المجتمع المدني دورا رقابيا ومسائلا للحكومة باستمرار وبحسب ستراتيجيات موضوعة في ضوء اهداف معدة سلفا . وقد يعود ضعف هذا الدور للمجتمع المدني الى جدة التجربة الديمقراطية من ناحية ، والخوف المتفشي من العنف السياسي واثاره من اختلاط الاوراق لاحداث العنف اليومي . الا ان حجم وفداحة الانتهاكات والاضرار الانسانية والمادية التي تضمنتها التفجيرات الاخيرة وما سبقها من احداث ، كل هذا شكل قوة دافعة للمجتمع المدني للقيام بدوره الحقيقي في المساءلة والمراقبة  والمطالبة بتفعيل اليات الشفافية، اذ تشكل هذه التظاهرات رفضا جماعيا واعيا وصريحا مباشرا لعدم الاستسلام للعودة بالوضع الامني لما كان عليه من دموية عام 2006 ، وما المطالبة عن الافصاح عن الجناة الحقيقين واظهار نتائج  التحقيق معهم والمطالبة بالتعويض السريع والعادل للمتضررين الا اعلانا لبدء المطالبة بكل الحقوق المسكوت عنها والمؤجلة .
   ولو دققنا في خارطة التظاهرات المدنية في العراق  لوجدنا انها ترتكز على خمسة مجاميع اساسية تعد العمود الفقري لاي نهضة حضارية تقدمية هم : مجموعة منظمات المجتمع المدني ،ومجموعة الادباء والكتاب ، ومجموعة الفنانين ، ومجموعة الاعلاميين ، ومجموعة الكفاءات العلمية . وقد احسنت صنعا مجموعة منظمات المجتمع المدني باختيارها مكانا وزمانا محددين (كل اربعاء مقابل عمارة رقم 3 التضررة من التفجير ) وياحبذا لو تتفق كل مجموعة للتظاهر في مكان محدد وزمن دوري حتى يؤتي الضغط ثماره المرجوة في الهدف من كل تظاهرة ، ولكي لا يضيع جهد هذه المجاميع هباء لابد ان لاتكون هذه التظاهرات تمرين في الديمقراطية بل تكون بداية تاريخية لتفعيل الديمقراطية في العراق من خلال رسم خارطة لطريق المجتمع المدني تعتمد المساءلة الية لها مع الحكومات القادمة ، لكي لا نقع مرة اخرى في حضيض الطائفية والفساد المالي والاداري والانتهاكات المؤلمة والجسيمة لحقوق الانسان العراقي ،ولا اعتقد ان هذا يأتي دون خطوات هامة وسريعة  اولها : ان تبادر كل مجموعة بتنظيم عملها ورسم اهدافها الخاصة في تفعيل دورها لترسيخ قيم واليات الديمقراطية والعمل بها وعلى رأسها المساءلة والشفافية والحكم الرشيد وتفعيل قيم المواطنة الصالحة في النتاج الفكري والثقافي المجتمعي . اما الخطوة التالية والمهمة والعاجلة فهي : توحيد جهود المجاميع الخمسة لبناء تحالف مدني ثقافي يؤدي دوره في مساءلة الحكومات القادمة ، ولاشك ان هذا التحالف الخماسي سيشكل قوة لا يستهان بها في التاثير الاجرائي ولمعادلة كفة الميزان مع قوة الاحزاب السياسية التي استفحلت بعضها الى حد الاقتتال المقنع بالارهاب . كما ان على هذه المجاميع ان تعي اهمية امتلاكها لدورها الحقيقي كسلطة مساءلة وضغط  وان لا تبقى مكتوفة الايدي كسلطة رابعة معطلة او سلطة خامسة مؤجلة .. الخ  فهذه المجاميع قد تعي او لا تعي وبحسب المنظور الديمقراطي فلسفيا واجرائيا ودستوريا انها تمتلك قوة السلطة الشاملة وما الحكومات الا سلطة اجرائية محدودة ومحددة  .


     لذا على هذه المجاميع ان تبادر الى تفعيل دورها في ضوء هذه الرؤية وان تعكسها في نتاجها الفكري والعملي في كل زمان سواء بشكل فردي او جماعي . ولابد من الانتباه الى ان مرحلة الوعي بالديمقراطية جماهيريا اقتربت من النضج وان مرحلة بناء الديمقراطية الحقيقية ستبدا قريبا لامحالة ، لذا تقع على عاتق كل مؤسسات المحتمع المدني ومجاميعه من مثقفين وادباء واعلاميين وفنانين تولي مهام قيادة نهضة فكرية ديمقراطية للعراق وذلك برسم الاسس الحقيقية لفلسفة ديمقراطية واضحة ومحددة في العراق تنطلق من النهوض بقيم المواطنة الصالحة بدل التخبط في ديمقراطية ذات اطار نظري وفلسفي  مبهم ، فضلا عن اقتراح اليات المساءلة والشفافية والسعي  للتحضير لمرحلة انتقالية شاملة وعادلة في العراق .
     كما لابد لهذه المجاميع من تشكيل فريق تدخل ميداني مدني لتفعيل حقوق الانسان العراقي بدلا من ترك اعضاء هذه المجاميع داخل المجال المغناطيسي للكتل السياسية اللاهثة خلفهم باسم التكنوقراط  لجذبهم الى فاترينات قوائمهم الانتخابية كأحدث الموديلات السياسية .

الثلاثاء، 29 نوفمبر 2011

أرنب بنكهة البارود Sunday, May 10, 2009

د. نهى الدرويش 
امرأة بطعم الفراولة ،امرأة بنكهة التفاح ، أميرة الكرز، سيدة التين...هكذا كان الشعراء ومازالوا - يصفون المرأة ، ربما بحسب اطلالة شخصيتها واقترانها في ذاكرتهم بروائح الفواكه تلك ، او ربما بسبب الانطباعات التي يولدها في ذاكرته كعطرها المميز. ومثلما يفعل الرجال علنا ، تفعل النساء سرا ! فكولونيا الحلاقة اخذت حيزا كبيرا في تشكيل نكهة الرجل في ذاكرة المرأة بدءا من الـ «منن» و «الاولد سبايس» و»البروت» من ستينيات القرن الماضي وانتهاءا بالعطور الزيتية المركبة «سيئة الصيت» والتي يطلق عليها محليا اسم الـ»سي سي «نسبة الى حجمها المخلوط .


ولكن مالا نعرفه ومثلما لم اكن اعرفه من قبل ان النساء صارت تسمي الرجال «علنا» بحسب نكهة مهنهم او هواياتهم ، فهذا رجل بنكهة «الشات» - نسبة الى هوايته الانترنيتية ، وذاك رجل بنكهة الكتب ، هذا يعني انه قارئ نهم ، وذاك بنكهة النفط والبانزين ، للدلالة على انه بحار ، واخر بنكهة الدولار، في اشارة الى انه سياسي وليس تاجراً طبعا ، واخيراً سمعت توصيفاً غريبا لنكهة رجل ، انه رجل بنكهة البارود !التقطت هذه المعلومة الذهبية من احدى الصديقات حين كانت تتذمر مجيبة على سؤالي كونها ترفض باستمرار من يتقدم للزواج منها برغم تجاوزها الثلاثين عاماً وبرغم ندرة العرسان بشكل عام. تقول المتذمرة «التي هي بنكهة الانناس»: كل من يتقدم لخطبتي اما من متطوعي الجيش او الشرطة واما من متطوعي الارهاب او الميلشيات،فهو اليوم قاتل وغدا مقتول..كلهم رجال بنكهة البارود ،وان صادف ان طلب يدي رجل بغير هذه النكهة فهو اذن بلا نكهة – في اشارة الى انه عاطل عن العمل ، ومثل هذا الرجل سرعان ما يكتسب نكهة البارود أمام المتطلبات المالية للحياة الزوجية ،والنتيجة واحدة تريد أرنب اخذ أرنب ،تريد غزال اخذ ارنب ،واذا رضينا بارنب ،فليس ارنب بنكهة البارود! ولإجل ايجاد حل لمعضلة النكهة عند صديقتي سالتها:ما رايك بارنب «عفوا» رجل بنكهة الطباشير ؟ فتحت عينيها مستبشرة وصاحت :معلم ؟ اجبتها بفخر :بل استاذ جامعي .تأملتني مفكرة بصوت عال :غزال بنكهة الكتب والمصادر والبحوث ! تناولت هاتفي بفخر واتصلت بزميلي الاستاذ غزال الذي كان يبحث عن امرأة بنكهة الانناس . سمعت جلبة وصوتا غريبا يرد على عجل :استلموا جثته من ثلاجة مستشفى اليرموك! تجمدت رعبا ونظرت لوجه صديقتي المصفر التي ادركت فورا ان الغزال صار مشمولا بنكهة سلم رواتب البارود ولكن لا احد يعلم اي ارنب بنكهة البارود فعل ذلك ! كذب من قال اذن» غزال وما يصيدونة «. وتبقى القضية مسجلة ضد ارنب مجهول .

عصر اللواصق Sunday, May 10, 2009

د. نهى الدرويش
منذ ان اكتشف المغناطيس وثورة اللواصق مستمرة في عالم التكنلوجيا وبخاصة في عمليات البناء والتصنيع الإلى . فمن اختراع اللواصق السائلة الى الصلبة اتجه التطوير الى الجودة في سرعة اللصق وشدته

حدثني احد الشباب المرحين: ان فكرة الالتصاق لم تأت من المغناطيس وانما من الطفيليات التي تتخذ من كائن حي اخر مصدرا لعيشها ، لذا فقد طورت هذه الطفيليات مختلف الادوات التي تمكنها من الالتصاق بالكائن المضيف وغالبا ما تكون اطراف الايدي والارجل والخرطوم الفمي ، فهي اولا تحكم القبض باطرافها على الضحية (العائل) ثم تبدأ بعدها بعملية امتصاص غذائها من دمه او غذائه .

ولانها تمارس وظيفتها النفعية والمستبدة بهدوء وبطء لذا فان الضحية لا يشعر بالتخريب الذي يطاله حتى يقع فريسة الانهاك والمرض ليكتشف بعدها ان القمل يعشعش في راسه او البراغيث تلتصق بثنايا جلده او الديدان تستعمر امعائه وكبده ، وهذه الالية اعتمدها بعض الناس فهناك من يلتصق على الجيب والمدخرات ومن يمتص الثروات ومن يستلب الحياة وقلت له رويدك من الاسترسال ما علاقة هذا بذاك؟ اجابني بذات المرح : انها فلسفة اللواصق إلى ست العبوة اللاصقة تسلب حياة الناس ؟ والفكرة الخاطئة تلتصق بعقل الانسان فينحرف سلوكه...

شردت عنه بتفكيري وانا اتامل ما حولي من لواصق مضمرة في المواد والاشياء ، وفجاة جحظت عيني اذ تذكرت ان عيني التي ترصد اللواصق تغلفها عدسات لاصقة .
Top of Form

غياب الفلسفة وتشتت الخطط Sunday, May 10, 2009

د. نهى الدرويش

القاعدة المنطقية القائلة بـ «ضرورة تحقق المهم ،فالاهم ، ثم الاكثر اهمية» استنبطت من خلال ملاحظة السلوك الانساني المنظم والهادف سواء كان سلوكا عفويا ام مقصودا ، فمن ابسط نشاطات الانسان الى جدولة المواعيد الاعمال لاي فرد او منظومة ادارية الى الخطط السنوية ، جميعها تخضع لهذه القاعدة التنظيمية حتى وان كان هناك اختلاف في تفسير»الاهمية» اي كانت ، سواء فسرت من حيث الحاجة ام من حيث الدافع ام من حيث الضرورة ام من حيث الهدف ام من حيث الجدوى والفائدة ...الخ. وطبقا لهذه القاعدة صنفت الحاجات كهرم يبدأ بقاعدة عريضة تضم الحاجات الاساسية التي تمس حياة الانسان (لبقاء نوعه) مثل الحاجة الى الطعام والماء والنوم ... الخ وهي الحاجات الاكثر اهمية ، تليها الحاجة الى الامان (لحفظ نوعه) مثل الحاجة الى المأوى او المسكن والحاجة الى الامن الاجتماعي ....الخ

ثم تتصاعد الحاجات في الهرم الى الحاجة الى تحقيق الذات (مثل الحاجة الى العمل والانتاج والانجاز ) ثم الحاجة الى احترام الذات (مثل الحاجة الى الشعور بجدوى الحياة وفاعلية الانسان والمعنى من وجوده ) لينتهي الهرم براس الحاجات وهي الحاجات الجمالية (مثل الحاجة الى تذوق الجمال والفن والادب)
.
وطبقا لهذا التصنيف فان الانسان تظهر لديه اكثر الحاجات اهمية من قاعدة الهرم (الحاجات الاساسية) فاذا ما اشبعت هذه الحاجات ظهرت الحاجات التي تليها وهكذا ... بحيث لا يصل الى قمة الهرم (الحاجات الجمالية) الا من اشبعت لديه جميع الحاجات السابقة لها في طبقات الهرم .

لقد احدثت هذه النظرية (نظرية ماسلو للحاجات ) ثورة في الفكر الراسمالي ، اذ على الدولة ان توفر الحاجات الاساسية والحاجة الى الامان لكل افراد المجتمع بدل التنافس على لقمة العيش والمأوى ، واعتبرت التنافس الفردي يبدأ من الحاجة الى تحقيق الذات وتوكيدها بوصف الانسان كائن متمدن يتنافس في العمل والانجاز اما التنافس على الطعام والمأوى فهو من خصائص عالم الحيوان فما دون في سلم الارتقاء النوعي.
وطبقا لهذه النظرية فان العمل بموجب البطاقة التموينية لابد ان يشبع ويؤمن حاجات الفرد الاساسية من الطعام كما ونوعا وليس جزءا منها ، وراتب الضمان الاجتماعي لابد ان يؤمن لقمة العيش والمأوى في حدودها المتوسطة كما ونوعا ، كذلك فان دور الدولة لرعاية الاطفال فاقدي الرعاية الاسرية من الايتام او المشردين او ضحايا العنف ودور المعوقين والعاجزين ودور المسنين لابد ان تؤمن المأوى والطعام لهذه الشرائح ، فضلا عن تحقيق الامن الاجتماعي والرعاية الصحية والضمان الصحي كل ذلك يقع في صميم مسؤوليات الدولة.
هذه الحاجات لابد ان يؤمنها لافراد المجتمع كل نظام سياسي – اقتصادي سواء كان راسماليا او ليبراليا او اشتراكيا او دكتاتوريا او ديمقراطيا ذلك لان اقل ما يمكن ان تقدمه الحكومة للشعب هو ضمان اشباع هذه الحاجات لحفظ بقاء هذا الشعب على مدى الحياة بوصف الشعب العنصر الاساسي في بنية اي دولة اذ لا يمكن ان تقام دولة دون وجود شعب ، واضافت الفلسفة الديمقراطية على ذلك بان الشعب هو مصدر السلطات وان العقد الاجتماعي الضمني المبرم بين الناخب والمرشح ويحتم على المرشح السياسي ان يستعرض في برنامجه الساسي والاقتصادي والاجتماعي ما يمكن ان يقدمه للشعب من ضمانات لتأمين جميع الحاجات وبخاصة الحاجات الاساسية والحاجة الى الامان.

وطبقا لهذا فان برنامج المرشح السياسي لا يكون برنامجا بلاغيا بل برنامجا علميا ذو اهداف واضحة ومحددة وقابلة للتحقق والقياس والتقييم كما انه لابد ان يتضمن اليات العمل بشكل صريح وشفاف وواضح وواقعي مثلا : عندما يذكر المرشح السياسي في برنامجه انه سيؤمن راتب ضمان اجتماعي للعاطلين عن العمل ، لابد ان يعرف العاطل عن العمل برايه ثم يذكر عدد العاطلين عن العمل في المجتمع ومقدار ذلك الراتب ويأخذ كل ذالك بنظر الاعتبار في الموازنة المالية للدولة ، فاذا اخفق المرشح عند فوزه في الانتخابات في تحقيق ما ورد من وعود في برنامجه ولم يوضح بشفافية وامام وسائل الاعلام الاسباب الموضوعية لاخفاقه او تلكؤه امكن للشعب سحب الثقة منه واقالته (ذلك ان سحب الثقة منه يعني انه غير مؤهل لنيل ثقة الشعب فيما وعدهم بوصفهم الطرف المتعاقد     (


وعلى الرغم من فاعلية نظرية الحاجات هذه وتطبيقاتها العملية فقد وجهت اليها انتقادات كثيرة منها : ان هناك الكثير من الافراد يصلون الى تحقيق الحاجات الجمالية في قمة الهرم برغم ان حاجاتهم الاساسية غير مشبعة فكم من فيلسوف وكم من فنان واديب هم شبه جياع وشبه مشردين، لذا تم اعتبار هذه الشريحة مستثناة من التدرج الحتمي في اشباع الحاجات الهرمية واطلق على عملية ارتقائهم المباشرة نحو قمة الهرم «بالتسامي»والزمت الفلسفة الديمقراطية على الدولة رعايتهم (العباقرة والموهوبين والادباء والفنانين ) وبما ان اي دولة وبسبب الموازنة المالية غير المستقرة لها عبر السنين ربما قد تعجز او تتلكأ في تامين متطلبات الحاجات الاساسية والحاجة للامان لكل افراد المجتمع بلا استثناء لذا تم ابتكار المؤسسات المدنية (الدينية والاجتماعية والخيرية ) لتقديم الدعم والاسناد الى الشرائح الاكثر حاجة والاهمية في المجتمع ، اذ يقع على عاتق الاغنياء – مقابل الاعفاء الضريبي التصاعدي – بناء وادارة دور لرعاية الاطفال المشردين وفاقدي الرعاية الاسرية والمعوقين والمسنين وتأمين الطعام والمأوى والعلاج الطبي لهم وباشراف ومتابعة مستمرة من قبل جهات متخصصة ، كما تقوم بعض هذه المؤسسات بتقديم الدعم والتطوير وفرص العمل لشريحة الموهوبين والمبدعين ، لذا فان كل برنامج سياسي يقدمه المرشح لابد ان يتضمن مقدار دعمه لمؤسسات المجتمع المدني كما ونوعا.
ان فلسفة التتالي والتتابع التي استندت عليها نظرية الحاجات لماسلو وضعتها في صنف الفلسفات الواحدية ، ومع تنامي الوعي الحضاري لدى الانسان وظهور الفلسفات الانسانية جعلته يطالب بتأمين عدة حاجات في آن واحد وليس حاجة بعد الاخرى ، كما انه بدأ يفكر باشراك اخيه الانسان في المجتمع العالمي بضرورة واهمية تأمين حاجاته فانبثقت المنظمات الدولية للاغاثة والصحة والتعليم وامام اهمية المواقف والحاجات الثنائية والمتعددة وتشارك المجتمع مع الحكومة في تحقيق الاهداف العامة للدولة وتجسيد فلسفتها، صار من العسير ترتيب اهمية المواقف والحاجات على وفق المهم فالاهم فالاكثر اهمية ، فضلا عن تداخل هذه الاهميات وصعوبة تحقق واحدة منها قبل او بعد او بدون الاخرى في التخطيط الستراتيجي ، على سبيل المثال ان النهوض بالواقع الاقتصادي للفرد في اي مجتمع لا ياتي عن طرق الحلول الاقتصادية الصرفة ما لم يتزامن معه الوعي والتدبير الاقتصادي وتحسين ظروف الصحة العامة والاوضاع الاجتماعية المرتبطة بها ، لذا توصل العقل العلمي الى استنباط قاعدة ماسية جديدة طورت واكملت القاعدة السابقة وتتمثل هذه في فلسفة المتوازيات المصاحبة اي «اطلاق الاهميات جميعها بشكل متواز اذ من شأن الانطلاق الجمعي ان ينتج تأثيرات مصاحبة تزيد من فاعلية التأثير الايجابي نحو تحقق الاهداف المتوازية في الاهمية في اقل وقت واقصر زمن «.

وهكذا تم اعتماد هذه الفلسفة في النظرية الديمقراطية الانسانية الحديثة والتي بموجبها صارت تصاغ الخطط والستراتيجيات السياسية والاقتصادية بعيدة المدى ، بحيث يوضع هدف عام تتفرع منه اهداف ثانوية ويتم تحقيق كل هدف ثانوي من خلال ستراتيجية واحدة وتتضمن كل ستراتيجية برامج عدة وكل برنامج يتحقق من خلال خطط عامة وخطط فرعية تفصيلية توضع لها الاليات والادوات والموارد المالية المناسبة ليتم تحقيقها في اطار عملية تقويم شاملة ومستمرة واجمالية


لذا لابد لكل وزارة من ستراتيجة وبرامج وخطط جميعها تخضع لاهداف محددة وواضحة وقابلة للقياس والتقويم ، يمكن بمجموعها ان تحقق الهدف الاساسي للستراتيجية الذي هو هدف ثانوي في ستراتيجية الدولة وبذلك يمكن ان تعمل ستراتيجيات الوزارات جميعها بشكل متواز دون غلبة اهمية واحدة على الاخرى مع حفظ الموازنة الواقعية والمنطقية بين الستراتيجيات عبر السنوات.

ان هذه الالية التي يعرفها المخططون جيدا ويجهلها او يتجاهلها المشرعون والمنفذون هي الضمانة الوحيدة التي تعطي للدولة هيبتها وصدقيتها امام شعبها وامام المجتمع الدولي، وهي الضمانة الوحيدة التي تلزم البرلمانات والحكومات – على تعاقبها – بالتزام اهداف الدولة العامة التي ترسم السياسة الاقتصادية والمالية والاجتماعية والتعليمية والصحية لكي يبقى عمل البرلمان والحكومة عملا تطويريا وتفعيليا ولا ينحصر دوره بالبدء من نقطة الصفر في كل دورة انتخابية او في كل تشكيلة وزارية.


وكل هذا بالتالي يحتاج الى فلسفة دولة واضحة يصاغ بموجبها الدستور فلا تقع مواده وفقراته في الغموض والتناقض او فريسة للمحاصصة السياسية وهنا تكمن العلة.


فاين هي فلسفة دولة العراق الحديث وما هي النظرية الديمقراطية التي يعتمدها ؟ اين هي الاهداف العامة للدولة ؟ وكيف سيكون واقع مستقبل الفرد العراقي اقتصاديا واجتماعيا وصحيا وتربويا ؟ هل هناك خطط ستراتيجية عشرية او خمسية في اقل تقدير ؟ هل تسير هذه الخطط بشكل متتالٍ كما في اولوية تحقيق الامن ثم الاعمار ؟ ام بشكل متواز.
لا يبدو كما يظهر لنا الواقع ان هناك تبنياً حقيقياً لاي من هذين الاتجاهين فلا منطق علمي مثلا يحكم اهمية انشاء متنزهات ومسابح وملاعب ورصف ارصفة ذاتها مرات عدة قبل او بدون توافر مشاريع تربوية او صحية او خدمية او اقتصادية او زراعية
!

هل يمكن القول ان العراق في طريقه لوضع فلسفة عشوائية ستكون القاعدة والركيزة التي تستند عليها خصوصية الدمقرطة التي يتبناها المنفذون بلا تخطيط؟


ارى ان هذه المشكلة تكمن في اربعة حلول متوازية الاهمية :
*
الزام المرشحين بتقديم برامج سياسية واقعية وصادقة ودقيقة بحسب معايير موضوعة سلفا.
*
حث اعضاء مجلس النواب في الدورة الانتخابية القادمة على عزل اجنداتهم الشخصية والحزبية والتوصل الى رسم سياسة الدولة وتحديد فلسفتها ووضع اهدافها بعيدة المدى.
*
اجراء التعديلات الدستورية على وفق فلسفة الدولة وليس على وفق ترتيب الاهميات والحاجات والتوافقات الحزبية.

*
اعتماد التكنوقراط في عملية التخطيط والتنفيذ والتقويم واعتمادهم على البحوث والدراسات والاحصائيات الدقيقية

انثروبولوجيا الدجاج Sunday, May 10, 2009


د.نهى الدرويش

الدجاج – وكما يشير كتاب الحياتية للصف الثالث الابتدائي لخمسينيات القرن الماضي – « حيوان أليف ،كل قطعة فيه مفيدة ،من لحمه الى بيضه وحتى ريشه « .ولكن حين اتجهت عجلة المكننة الى الانتاج الاستثماري لتطوير رأس المال الصناعي ، صارت الجهود تبذل لإنتاج « اللحم الابيض المتطور « ورفع مستوى انتاجية البيض بالطريقة» القسرية « واقصد هنا استعمال « العنف « الهرموني وليس المسلح طبعا ضد الدجاج . اما الريش فقد اهمل صناعيا لاستبداله بالقطن ثم الاسفنج ثم الديباج لاحقا في الوسائد .ولأجل كل هذا صار «الديك « فائضاً عن الحاجة وبخاصة بعد استحداث تقنية «التلقيح الاصطناعي « . وصارت تعد محرقة الى جوار حقل الدواجن لإتلاف فصيلة الديك الذي فقد المعنى من وجوده ، اللهم الا نوع الهراتي المخصص للعبة «المكاسر» .


ومع تطور السياسة الصناعية انقلبت الموازين ، فلم تعد انثى الدجاج تواكب طموحات العصر الحديث ومواكبة مستحدثاته السياسية فضلا عن اتشار الامراض «النوعية» التي نجحت في في ابادة وجودها من خارطة العمل الانثوي واستلبتها حتى الحق في انشاء عش وانتاج بيض ،فقبعت المسكينة في قفص «العنوسة» مستكينة واجمة بعد الهلاكات المستمرة التي تعرضت لها فصيلة الديك ، لذا ظهرت الحاجة الماسة لظهور خطاب «ديكوي» جديد يتناول اولا وقبل كل شيء قضية ايقاظ النيام في الصباح الباكر وانتهاء بتنويم المستيقظين في الظلام الغادر ،وعلى وفق هذا الهدف تم تأسيس «حظيرة الديك المفترس» التي اخذت على عاتقها السيطرة على كل سطوح المنازل لفرض خطابها الجديد والموسوم بـ»عععيعو ...موتوا موتوا...» . وهكذا صار الديك يمارس صلاحيات «غراب البين « .

وهكذا صارت تهلك الآلاف من الدجاجات والكتاكيت بسبب امراض النيوكاسل و»النيو لوك « و» النيوشوب» و « النيو بوك» وتبقى القضية العالقة هي قضية الريش ، اذ لا احد صار ينام على وسادة من ريش الا اهل العلم والراسخون في «الريش».

الكاميرا الخفية... امام عدسة التحليلMonday, September 14, 2009

د. نهى الدرويش
هل انت ممن يتابع ويستمتع بمشاهدة برامج الكاميرا الخفية في التلفزيون ؟ اتريد ان تعرف لماذا تضحك على مشاهدها ؟ وما هي النهاية التي ستؤول اليها نفسيا وسلوكيا بعد (30) يوما من المشاهدة اليومية لهكذا برامج ؟ وما هو الخطر الذي يتربص بك جراء هذه المشاهدة المستمرة ؟

المقال التحليلي ادناه سيخبرك عن كل هذا .

قبل الحديث عن برامج الكاميرا الخفية  وكيف ظهرت لا بد  لك عزيزي القارئ ان تعرف متى وكيف ظهرت هذه البرامج ولماذا ؟ لذا ارجو ان لا تشعر بالملل من الاسطر القليلة الاتية :

يعود اهتمام الباحثين في علم دراسة السلوك الفردي والجماعي الى اكثر من قرنين ، الا ان المشكلة الكبيرة التي كانت تواجه هؤلاء الباحثين هي في كيفية دراسة السلوك ميدانيا وليس مختبريا وبخاصة ان معظم الظواهر السلوكية لاتبدو صريحة وواضحة وتلقائية اذا علم المفحوصين ( الاشخاص الذين تقع علهم التجربة ) انهم معرضين للتجربة ، لذا فقد تفنن الباحثين في اخفاء الاهداف الاساسية من بحوثهم على المفحوصين لحين اكتمال البحث ، والمهم في هذا ان كل الدول المعنية بهذه البحوث فرضت قوانينا واحكاما خلقية و ضوابط جزائية لتنظيم العمل في هذه البحوث ،اجد - عزيزي القارئ - من المهم جدا ان تعرفها بشكل مختصر ولعل اهمها هو عدم الحاق اي ضرر مادي او معنوي بالمفحوص ، وضرورة اعتماد الباحث على اقرار من المفحوص بموافقته على التطوع لاجراء التجربة البحثية عليه ، والزام الباحث بعدم الافصاح عن شخص المفحوص الا بموافقته ، والزام الباحث بدفع اجر متفق عليه مسبقا للمفحوص فضلا عن تقديم بعض الطعام والماء للمفحوص اذا زادت مدة التجربة عن ساعة او كانت في اوقات تناول الوجبات الرئيسة .

ومع تقدم وتوسع نطاق البحوث وتعقد ظواهر السلوك الانساني بسبب المستجدات التقنية والمعلوماتية ، زادت مشكلة دراسة السلوك امبريقيا
( على ارض الواقع ) بسبب المحددات القانونية ، حتى اعلنت بحوث الهندسة الوراثية وما احدثته من جدل قانوني و فكري وفلسفي واخلاقي وديني ، وشرعت المؤسسات البحثية وبخاصة ذات الاهداف السياسية غير المعلنة بالبحث عن طرق للالتفاف على القانون لاجراء بحوثهم الميدانية فيما يتعلق بالسلوك الفردي والجماعي ، وهكذا ظهرت فكرة الكاميرا الخفية ، اذ صارت هذه المؤسسات ترسم الاهداف والتمويل الانتاجي( من تحت الستار) فيما يقوم الكادر الفني بابتكار الطرق المشوقة للعرض ،وسواء كان الكادر المنفذ للعمل يعي او لا يعي بالاهداف الحقيقية
( التي غالبا ما تكون اهدافا لئيمة لان مخرجاتها تنطوي على تطبيق سياسة اقتصادية او دولية او حتى عسكرية) فهذا لا يهم لان هذه المؤسسات تمتلك من الخبرة النفسية والعملية بحيث تغلف عملها باحكام ودون السماح باي نسبة شك ، فهذه لعبتها حصريا ( واعطي الخبز للخباز ).

         تمثلت فكرة الكاميرا الخفية بداية بتعريض بعض المارة في الشوارع
( عينة عشوائية ) الى بعض المثيرات وتسجيل ردود افعالهم ، لذلك تلاحظ تعدد الاشخاص وتنوع الاماكن وهذا ما يطلق عليه ( الوقاية من تلوث التجربة ) اذ من الممكن ان تشيع في  الساعة نفسها في شارع ما وجود هكذا موقف ( مقلب) مما يؤدي الى معرفة المارة فتفشل التجربة لذا يتم تغيير المكان لعدم حدوث تلوث في التجربة . كما ان هذا التنوع يضمن العشوائية في اختيار العينة وبحسب المنطق البحثي فان العشوائية هذه تضمن التكافؤ بنسبة مقبولة منطقيا  في مدى تمثيل العينة لمجتمعها الاصلي (مجتمع البحث ) ، وعلى هذا يمكن تعميم النتائج ، ماذا يعني هذا ؟ هذا يعني ان اتصاف هذه المجموعة بسرعة الغضب مثلا يعني ان عموم المجتمع سريع الغضب ، وهنا تتطور النتائج للبحث عن الطرق التي تستفز الغضب ومتى واين، ومالذي يتلو الغضب هل هو الندم ام السخرية ام الاستمرار فيه ام العدوان والعنف، وكيف يمكن السيطرة عليه ومتى واين والى اي مقدار زيادة ام نقصانا . وعلى هذا تستطيع ان تقيس مختلف ردود الافعال التي تكمن خلف الموقف المفاجئ او الغامض اوسلسلة المواقف المتصاعدة بالشدة او المتكررة على نحو غامض الاهداف معرفيا على المتلقي ، تفحص عزيزي القارئ هذه المعايير وانت تشاهد برامج  الكاميرا الخفية فبامكانك ان تصل الى عشرات ومئات الاجابات ، فقط عليك ان تراقب بعين ناقدة موضوعية وتبحث عن الهدف الخاص من البرنامج بعد ان تتجنب سذاجة هدف المتعة ، متعتك ستكون اكبر بكشف ماوراء الستار وما وراء هدف المتعة المجانية ، وبخاصة اذا وضعت نصب عينيك الفرق بين الاهداف العلمية السامية والنبيلة والاهداف المؤدلجة اللئيمة ، فالباحث عن جرثومة بهدف اكتشاف مصل وقائي لها يختلف حتما عن الباحث عن تلك الجرثومة بهدف تطويرها واستخدامها سلاحا عسكريا بيولوجيا . ولا تستغرب عزيزي القارئ وتتساءل عن الجانب الاخلاقي في الموضوع لكلا الطرفين
( الباحث والمنتج ) لان الربح المادي يجمعهما بهدف واحد. كما ان استخدام الناس بوصفهم عينة فحص مختبري يتناقض مع المبدا الاخلاقي للبحث العلمي لانه يحولهم من مفحوص متطوع لخدمة العلم الى جرذ مختبرمخدوع لا حول له ولاقوة .


          واذا انتقلنا من هذا المحور الى محور المتلقي( المشاهد ) المستمتع بهذه البرامج فيمكن تصنيفه من وجهة نظر علم النفس الى ثلاثة انواع :

·   المتلصص: هو الذي يستمتع( يتلذذ )  بمراقبة سلوك الاخرين دون ان علمهم
بوصف السلوك الشخصي غير المقصود بالاعلان عنه من قبل ذلك الشخص هوخصوصيته العورية ، اي ان انتهاك هذه الخصوصية يسبب له افصاحا عن جوانب من شخصيته لا يرغب بالافصاح عنها لاسباب عديدة قد تكون خدشا لصورته العامة امام الاخرين او حتى امام ذاته مما يسبب له احراجا وخجلا ،  لذا فهي تعد عورة شخصية ، والفتشي يتلذذ بكشف هذه العورة ( هنا لابد من الاشارة الى ان العورة النفسية تعني خصوصية الفرد السلوكية المقصودة او غير المقصودة ولا تقتصر على المعنى الجسدي او الجنسي ) ، والكاميرا الخفية تسعى الى خرق هذه الخصوصية باسم المزحة .

·   السادي : هو الذي يستمتع ( يتلذذ) بايذاء الاخرين اجرائيا (ماديا او معنويا ) سواء هو من قام بالفعل او شخص اخر المهم ان تكون هناك ضحية تتعذب ، والحيرة والخوف والصدمة المفاجئة والقلق والتردد كلها عذابات تصدر عن ضحايا الكاميرا الخفية ، والسادي يسأل من يجاوره في المشاهدة التلفازية وغالبا ما يكون مقربا عزيزا  : لو كنت مكان هذا الشخص ماذا كنت ستفعل ؟ فاذا جاء الجواب مطمنا لساديته، تلذذ بتصور عذاب المجيب واذا حصل على جواب عقلاني معتدل تظاهر بعدم الاقتناع والرضى ، واحيانا يغلف السادي نفسه فلا يفصح عن رغباته وانما يتخيل من يحبه بدل الشخصية التلفازية المفحوصة ويسقط عليه ردود افعال مفترضة لذلك الشخص المحبوب من خلال ما يعرفه عنه من خصائص .

·   الماسوشي : وهو الذي يستمتع ( يتلذذ ) بايذاء ذاته ماديا او معنويا سواء هو من قام بالفعل او غيره ، وهنا يسعى الماسوشي الى تخيل نفسه بدل المفحوص ، وغالبا ما يستخدم الانكار لتغليف ذاته المسقطة على المفحوص فيقول : لو انا كنت مكانه لفعلت كذا وكذا في محاولة انكارية تحويلية لدرء التهمة عن ذاته ( تهمة التلذذ ) .

       وغالبا ما تسفر السادية عن هويتها بشكل صريح ومبطن في ان واحد في كثير من السلوكات بسبب اشراك الاخرفي الفعل او الصورة الذهنية او الاجرائية فيما تكون الماسوشية مناورة مع الذات ومشاكسة مع الذات الاخرى لتصدر الفعل المؤلم الذي غالبا ما يكون لا قصديا او كرد فعل على مشاكسة الماسوشي .
وارجو عزيزي القارئ ان لا ترتعب من هذه التحليلات وعليك ان تعرف ان النفس البشرية فيها من هذا وذاك بنسب متفاوتة والشخصية السوية هي الشخصية المتوازنة التي لاتتطرف في اظهاروتبني  السلوكات في حديها السلبي فقط او الايجابي المثالي فقط ،فكل الناس لديهم شتى الرغبات الخيرة والشريرة والمجتمع والتربية وتقويم الذات والمحددات الاجتماعية كلها تطمر الرغبات الشريرة او تمنعها من الاستفحال ،اما اذا توجه الاعلام-  بوصفه مؤثرا تربويا في الاتجاهات والقيم- بشكل معاكس وتحول من دوره البنائي الى دوره الهادم فهنا لابد لك من الوقاية والتسلح بالتفكير الناقد لكي لا تقع فريسة الوهم النفسي والامراض السلوكية ،  وهذا يعني انك لحد الان  لست متلصصا او ساديا او ماسوشيا ولكنك ستكون واحد من هؤلاء او كلهم مجتمعين اذا واضبت على مشاهدة الكاميرا الخفية لمدة ثلاثين يوما لانك بحسب قوانين السلوك النفسية سيتم تثبيت السلوك لديك بالتكرار ، واذا كنت صائما فالامر ادهى وامر لان من خصائص الصائم علميا انه  نفسيا متلقي وباعث ممتاز  لان الجانب النفسي والروحي لديه اكثر حساسية .

اما اذا سالت : لماذا اضحك عند مشاهدة هذه المواقف في برامج الكاميرا الخفية فساكون صريحة معك واقول : لانك تتلذذ بالجانب الاسقاطي لما تشاهد . لذا انصحك ان تكون مراقبا ناقدا  جيدا وصريحا لذاتك ولما حولك ولاحظ ان العلاقة طردية بين شدة الضحك وشدة الموقف الذي تعرضه الكاميرا الخفية
(بوصف الضحك سلوكا معبرا عن اللذة )

واذا انتقلنا الى المفحوص الذي تحول الى جرذ مختبري كما اسلفنا دون ان يعي ذلك ( وعذرا لكل ضيوف الكاميرا الخفية ) فهنا نلاحظ بوضوح بوصفنا مشاهدين ناقدين بموضوعية ظهورنمط الشخصية السائدة فهو اما سادي يواجه الموقف برد فعل عدواني اوعنيف او ماسوشي يواجه الموقف بالضحك ، ومهما حاولت الشخصية ادعاء التوازن الا ان عنصر المفاجأة والسرعة والمباغتة لا تتيح له الفرصة لاتخاذ موقف متوازن لذا يبدو له الموقف غامضا او متناقضا او متشابكا فيقع في فخ الحيرة والبحث عن تفسير عقلاني لاعادة توازنه النفسي والمعرفي .

وهنا علينا ان نلاحظ حجم الاحتمالات الهائلة التي تترتب على مخرجات هذه السلوكات وبخاصة لو جرى تعميمها على مجتمع محلي  كامل ، ولنأخذ المثال السابق وهو تحريض شعور الغضب ، متى يصل الى مستوى العدوان والعنف الجسدي لدى الشخص العراقي ؟ نلاحظ ان المفحوص ( الضيف ) يصل حد المبادرة بهذا السلوك عندما يواجه موقفا فيه اعتداء بدني او لفظي على امرأة
( مقدمة البرنامج ) ورغم ان هذه المرأة لا تمت الى الاخر بصلة دم او قرابة ، الا ان هذا الاعتداء يجسد اختراقا عدائيا للمنظومة القيمية الشخصية و الاجتماعية للمفحوص فماذا يكون رد الفعل العراقي ؟ نعم رد الفعل العراقي لان تكرار السلوك نفسه  مع ثلاثين عراقي يعطي صورة حقيقية يمكن تعميمها على كل المجتمع ، وهنا تم تشخيص الغضب من ابسط وادنى مستوياته الى اعلى واشد مستوياته او كما يعبر عنه احد برامج الكاميرا الخفية : الى حد انقطاع الدكمة وتمزق القميص غضبا ؟
وهنا نتساءل منطقيا : اكل هذا مزاح ؟ وما هذه السماجة التي تصل حد المساس بالمنظومة القيمية للشخص ؟ والتهكم عليه وسحبه احتيالا الى منطقة التجاوز على مقدرات الاخرين بعد التجاوز على مقدراته الشخصية ، علما ان من بين المفحوصين فنانين جديرين بالاحترام والتقدير من قبل عموم المجتمع العراقي

كما لابد ان نتساءل عن الجدوى من تفشي وباء الكاميرا الخفية في الفضائيات العربية وبخاصة العراقية ، فاذا كان الهدف علميا او سياسيا في الغرب معروف كما اسلفنا فما هو الهدف عندنا ؟ هل يعقل ان تبنى التسلية على مواقف بلا ضوابط اخلاقية ؟ وان يشتد الضغط النفسي بدل الموقف الواحد الى سلسلة مواقف ؟ تصل حد اكبر من الاحراج فتصل  الى التحريض والدفع لاستخدام الاسلحة
( حتى لو كان مسدسا كاذبا ) ، ماذا تريد ان تقول هذه البرامج وكيف تريد ان ترسم صورة مشوهة عن الانسان في مجتمعنا ، ومنذ متى اصبحت الكوميديا تشوه صورة السلطة التنفيذية ( متمثلة بالكلبشات ) بدل اعطائها الصورة الصحيحة من استخدامها للمحافظة على امن المجتمع ، فضلا عن تشويه صورة العدالة ( متمثلة بالمحاكمة ) بدل الدفع باتجاه التثقيف الحضاري لاحترام هذه الصور وتصحيح الخاطئ منها على ارض الواقع .

كما لابد ان تساءل : لماذا تستهدف هذه البرامج الفنانين بشكل اساسي  ؟ هل يعود هذا لسهولة الاتصال بهم ؟ ام لاستغلال حب الناس لهم ؟ ام لكونهم يتمتعون بقدر عالي من سعة الصدر والتسامح والطيبة ؟ وهل يدرك معدو هذه البرامج انهم يغذون الرغبة التلصصية عند المشاهد كون الفنانين نماذج متفردة ولها خصوصية محل استثارة من قبل المشاهدين ، ولماذا لا يتم استضافة شخصيات سياسية وتعريضهم للكاميرا الخفية ؟ هل تخشى الفضائيات من غضب السياسي وما قد يصدر عنه من ردود افعال عاجلة ام اجلة ؟ ولماذا لا يفكر معدو هذه الكاميرات بشكل ايجابي وذكي مثلا ان يقدموا للناس في الشارع اسم مرشح سياسي وهمي يقدم مغريات مادية لناخبيه ليفحصوا مدى موضوعية الناخب العراقي في اختيار مرشحه ؟ اليس التعرض الى قضايا ساخنة تقع في صميم اهتمام الانسان العراقي اجدى واكرم من التعرض لخصوصيات الاخرين وبخاصة الفنانين الذين يهبون كل حياتهم من اجل اسعاد وتوعية المجتمع واعادة توازن التاريخ بين الفعل القبيح والفعل الجميل من خلال بث الفرح والجمال والوعي بالافضل

اخيرا لابد ان نتساءل : ان من يعد ويقدم برامج الكاميرات الخفية هل يجرؤ على الاجابة ومناقشة الاسئلة اعلاه بصوت مسموع للجميع لكي يعرف المشاهد الحقيقة الكامنة خلف اعداد وتقديم مثل هذه البرامج وما اذا كانت تخضع لتخطيط وبرمجة وتقويم على الاقل من الجانب الاخلاقي الذي يحتم علينا ان لا نرمي ابناء مجتمعنا في مهاوي المرض النفسي والاسفاف الفكري ، ام هي بدعة من بدع العولمة تلقيناها بسلبياتها وزدنا عليها سوءا . وهل يعرف هؤلاء ان المجتمعات المتقدمة علميا وتقنيا لا تخلو فيها اي مؤسسة سياسية او اعلامية اوصناعية او تجارية من مستشار نفسي اجتماعي او تربوي لان التعامل مع الاخر يستوجب مهارة، سواء كانت هذه المهارة سلبية ام ايجابية والمهارة لاتأتي بالارتجال وانما بالعلم والتخطيط .
·       ملاحظة : هذا الموضوع ليس للنشر فقط وانما للمناقشة المفتوحة  مع كل الفضائيات التي تعتمد الكاميرا الغبية .

شــفرة النخلــة Sunday, May 10, 2009

د. نهى الدرويش
من شاهد منكم فيلم «شفرة دافنشي» وبغض النظر عن المشاكسة الميثولوجية المسيئة التي اعتمدها المؤلف الا انه بالتاكيد اثار دهشتكم في تنسيقه الكذبة التاريخية التي طرحها من خلال لوحة العشاء الاخير كلغز محير، ويقنعك المؤلف بفكه ملابسات هذا اللغز بأساليب علمية ارادها ان تكون مقنعة.

ويبدو ان الكثير من الاعمال الفنية تحمل ألغازاً وتخفي قصصاً غريبة، فقد اكتشفت «وبلا فخر»، ان أغنية «نخل السماوة» لمطربها حسين نعمة لا يقل لغزها عن لغز دافنشي فكلماتها تنسب الى شاعر مجهول وصمه الناس بالجنون حين ادعى قصة غريبة مفادها: في المستقبل ستتغير المسميات فيصبح مثلاً اسم المحافظة «كوكب» واسم الدولة «مجرة» فيما سيكون اسم العالم «قرية»، وان سكان مجرة اخرى من ذوي البشرة السمراء الداكنة،

زرعوا النخيل على سطح كوكبهم الرملي الساخن وصاروا يصدرون التمور»المعالجة جينياً» الى المجرات الاخرى، لذا فإن القضاء على الاصناف النادرة من هذه التمور في كوكبي السماوة والبصرة والكواكب المجاورة الاخرى، سيتيح لقراصنة هذه التجارة فرصة اكبر لاحتكارها والتحكم بأسعارها، وتحقيقاً لهذا الهدف سيتم استئجار قراصنة من عصابة «جريدي النخل» او عصابة «دوباس الإرهابي» للقضاء على النخيل في جنوب «مجرة العراق».

استنكر الناس قصة الشاعر المجنون، كان الجميع لا يعرف العد بأكثر من أصابعه العشرة ،فكيف ستباد هذه الملايين من النخيل؟ ومن يجرؤ على ذلك بعد التهكم الذي قوبل به طلب الوالي العثماني بإبادة النخيل حين اعلموه انها سبب الحر الشديد! وبعد الخسائر الفادحة التي تكبدها الجيش البريطاني حين لجأ الى الاختباء بين سعفاتها رجال الناصرية في كمين ذكي لمقاومة هذا الجيش فاطلق قائدهم على النخلة لقب «الشجرة الخبيثة» من شدة حنقه عليها! وكل البشر يسمونها «امنا النخلة»فمن يجرؤ على قتل أمه؟.. وهكذا هام الشاعر على وجهه مرددا كلماته المشفرة:

نخل السماوة يكول طرتني «سمرة» 
  سعف وكرب ظليت ما بيه ثمرة
وشجابة للغراف طير «المجرة»؟ 
  سابيهة كلهة الناس حيرني بامرة!

ومما يؤكد صحة رواية الشاعر المجنون ان نبوءته تحققت، فبعد كل الإبادات العرضية التي تعرضت لها النخلة في جنوب العراق بسبب الفيضانات والحروب والآفات الزراعية، تشن الآن حملة مقننة واسعة لإبادة النخيل وبخاصة الاصناف النادرة منه ،وتتم العملية بحرق قلب امنا النخلة ليلاً ــ مثلما يتم حرق قلوب امهاتنا في وضح النهار ــ لتطول الحرائق بقية البستان ! وهذا ما لم يخطر ببال عزيز علي في مونولوجه [يا جماعه والنبي عدنه والله بستان...]، لان القضية كما يبدو الآن تتجاوز عصابات «جريدي النخل»و»دوباس الإرهابي» لتأخذ اطار «منظمة مكافحة الثمرة الخبيثة» وبهذه المناسبة ادعو صادقة زملاءنا العاملين في اطار السينما الى إنتاج فيلم يفك لغز «شفرة النخلة» إنصافاً للشاعر المجنون ووفاء لحسين نعمة... وتقديراً للمسؤولين الذين اعلنوا عن إضرابهم عن تناول التمر في إفطار رمضان القادم لانهم اكتفوا بالافطار بشوربة «الذهب الاسود» فصياما مقبولا وإفطاراً شهياً.




تطور الوعي الانتخابي .... قراءة تحليلية للمشهد السياسي العراقي

د. نهى الدرويش
كثيراً ما تجد من يؤيد الفكرة القائلة بان " التاريخ يعيد نفسه "، او " ان تجارب الشعوب تتشابه الى حد بعيد في خطوطها العامة "، الا ان التاريخ الحديث بما تضمنه من مستجدات ثقافية وفكرية وانطلاقات متسارعة نحو التجدد والتغيير في الاطر السياسية العالمية
بسبب النمو المفاهيمي لجذور الفلسفات السياسية ضمن تطبيقاتها الدولية ، صار يركز  في التحليل النقدي السياسي المعاصر على تناول تجربة كل مجتمع في حد ذاتها بوصفها تجربة فريدة من نوعها لما تحمل من خصوصية واقعية ، وفي تتبع المسار التطوري للديمقراطيات في العالم ، يشكل هذا المنهج خارطة لاجندة تطور الديمقراطية كمفهوم ثقافي - سياسي - عبر حضاري وقرنوجي ( بفتح النون ، ويقصد به قرن اثراخر ) ضمن سياقاته العولمية بعيدة المدى.
لذا فمهما اختار السياسيون من صياغات ديمقراطية نظرية ، ومهما سعوا الى سترجة السياسة المحلية ضمن رؤاهم الواحدية او الحزبية ، فانهم في النهاية سيقفون عاجزين امام ارادة شعوبهم ، بوصف الشعب مانحا او مفوضا للسلطة ، كونه يمتلك مقومات موضوعية تاريخية وثقافية وجغرافية وببلوغرافية بعكس السلطة التي لا تملك الا وجودا موقتا افتراضيا مشروطا بصوت الناخب ، وعلى الرغم من سعي الاحزاب السياسية الى الاستحواذ على وسائل الاعلام والمؤسسات المدنية تارة بالسيطرة الاقتصادية واحتكار رؤوس اموالها وتحويلها الى وسائل انتاج داعمة لها  ، وتارة بالتضييق على حرياتها  وتحجيم حقوقها  ، وتارة اخرى بالاغواء والاستمالة ضمن لعبة التسلط المقنعة ،وتوجيه المسار السياسي الدولي نحو اجندات قرنولوجية معتقدين انها لعبة شطارة وذكاء سياسي ، الا ان هذا يعطي مؤشرا هاما في ان السياسات التطبيقية في كثير من الدول السائرة نحو الديمقراطية تتجه نحو ديكترة السلطة السياسية محليا ، فيما تسعى مجتمعاتها باستمرار الى تطوير اليات جديدة لتفعيل دورها الديمقراطي في التعاطي السياسي ضمن ادارة شؤونها المحلية ، وهذا ما يدعونا للقول بان لكل مجتمع من هذه  المجتمعات نكهته الديمقراطية الخاصة به ، والتي هي ليست بمعزل عن نكهات المجتمعات الاخرى ، فتوافر وسائل الاتصال الشبكية ( الانترنت ) وتواصل عمل المنظمات المدنية الدولية واعتماد اليات التشبيك المحلي والدولي للمناصرة والضغط على الساسة ستبقى عوامل فعالة في اسناد نضال المجتمعات من اجل  تفعيل الخيار الديمقراطي لتحسين اوضاعها .
ان العلاقة الجدلية بين الناخب والمرشح بتوسط المؤسسات المساندة لتفعيل الديمقراطية ( وسائل الاعلام ومؤسسات المجتمع المدني ) لابد ان تبقى قائمة في اي مجتمع ذي توجه ديمقراطي ، فاذا خرجت هذه العلاقة من جدليتها النقدية نحو اطر دوغماتية فقد ذلك المجتمع سمته الديمقراطية ، ذلك ان الديمقراطية ليست هدفا بل منهجا ثقافيا عقلانيا يستند على حق التعبير الحر عن الرأي ، وهذه الحرية المنطقية هي جوهر التحليل النقدي الذي تقع في قمة هرمه عملية التقويم فكرا وسلوكا سواء كان فرديا ام جمعيا مجتمعيا ، ولايستقيم هذا التقويم الا بوجود متسع من الحريات السياسية مقترنة باحترام هذه الحريات من قبل السلطة ، وبين ما يجب ان يكون وما هو كائن تقع منطقة توصيف المجتمع بانه ديمقراطي ام غير ديمقراطي.
فالاحزاب السياسية التي تعول على ضعف وعي الناخب لتمرير اجنداتها السياسية الخاصة او تحقيق مصالح نخبها السياسية ، هي احزاب مقنعة تراهن رهانات لا منطقية ، اذ على الرغم من الاعتراف نظريا ان توسعة وعي الناخب  باهمية صوته الانتخابي وسلامة اختياره التمثيلي النيابي ، الذي يحتاج الى جهد منظم وشفاف طويل الامد ، الا ان ضعف  هذا الوعي نتيجة حداثة التجربة الديمقراطية ، او تغليفه بعلب الديمقراطية الورقية الملونة ، او اخضاعه لمؤثرات دينوقراطية وهمية ، بات فكرة ساذجة ، فالناخب الذي اكتوى بجمر التهميش وتجاهل ابسط حقوقه المدنية يرفض ان يكرس دوره السابق في كونه اداة بيد السياسي للوصول الى صنع القرار الذي لا يصب في بحيرة مطاليبه واحتياجاته الاساسية ، تلك البحيرة التي تعاني من تصحر قاعها منذ الوعد الاول باقامة دولة ديمقراطية ، وتجسيدها في دستور يعبر عن ارضاءات سياسية ويضمن للنخب السياسية حقها في تفويض الشعب دون قيد او شرط ، ويغفل ان لم نقل يسلب حق الشعب في اقالة مفوضيه ، فقد اصبح (امرهم شورى بينهم) اذ تم تفسير (بينهم) انها فيما بين المفوضين  وليس بين المفوضين والشعب من خلال مؤسساته المدنية والاعلامية ومراكز البحوث المسحية. ولكي لا ننكرعلى التاريخ حق التدوين الحدثي المحلي ، لابد لنا من الاعتراف التحليلي باهمية دور المجتمع المحلي في تطوير الياته لتفعيل الديمقراطية ذات الخصوصية المحلية ، ولكي نسقط " الفتش السياسي " المتمثل بالاحزاب السياسية الاستحواذية في كونه المطور للديمقر اطية ، لابد لنا من وقفة امام ارتفاع الاصوات ضمن تجمعات او تظاهرات للمطالبة بحقوق مدنية ، والتلويح بعصا الحق السياسي في الانتخاب للضغط من اجل مطالب خدمية او اقتصادية ، ان هذه المحاولات رغم انها لم تجد صدى ايجابيا بين الاوساط السياسية المحلية بشكل عام ، الا انها كانت وما زالت رياحا هادئة سلمية دفعت زورق الرأي العام المحلي الى سواحل الارض الحقيقية لديمقراطية يبنيها المجتمع وليس الساسة ، حتى ان البعض عبر عنها بالازمة او الفجوة بين الناخب والمرشح ، الا ان تحليل الواقع يشير الى انه مستوى عفوي تلقائي من الوعي الانتخابي ، فالصراع ما بين مؤيدي القائمة الانتخابية المغلقة ومؤيدي القائمة الاتنخابية المفتوحة سحب وعي الناخب الى اهمية مسك (الريمونت كونترول) بيده بدلا مما هو بيد المرشح ، بوصف هذه القائمة مخصصة للناخب وليس للمرشح ، ورغم هذا لا احد استطلع رأي الناخب ، وبقي المطبخ الانتخابي بيد " شيفات "  الساسة وما على الناخب الا ان يدفع ثمن الوجبة ويأكل مرارتها ، بمعنى اخر لابد للناخب ان يتحكم في استمرار المرشح وليس العكس ، فالاصوات التي منحت حق التفويض في التمثيل النيابي لابد لها ان تمتلك الحق باقالة العضو المرشح في حال اجمعت نسبة معينة من ناخبي  الدائرة االانتخابية على ان المرشح لم يلتزم ببرنامجه الانتخابي والذي بموجبه صدرت قناعة الناخب باختياره ممثلاً اومفوضاً عنه ، وهذا الحق الديمقراطي لابد ان يضمنه الدستور وبخلافه سيبقى دور الناخب محصوراً في تأشيرة بضع مليمترات من ورقة الاقتراع  ، ولن يجدي بعد ذلك لا اعتصام ولا تظاهرة ولا صراخ وسائل الاعلام ولا ضغط  منظمات المجتمع المدني ، وسيعيد التاريخ نفسه اربع سنوات اخرى .
ولكي لا نكرس مقولة " ان التاريخ يعيد نفسه" لابد من مسك زمام التحكم بيد الناخب ، ومنحه ضمانات جديدة بالمساءلة والمراقبة  ليطمئن من عدم عزله عن القرار السياسي ،  وهذا لن يكون الا باجراءات منظمة تبدأ بالاحصاء السكاني وتعدد الدوائر الانتخابية ثم اعتماد القائمة المفتوحة واحتساب نسبة التمثيل الحقيقي للمرشح النيابي ، ثم احتساب النسبة التي بموجبها يحق للناخبين اقالة مرشحهم ضمن دائرتهم الانتخابية في حال عدم وفائه بتنفيذ وعوده التي طرحها ضمن برنامجه الانتخابي او انحرافه  نحو خط الفساد المالي والسياسي.
وعلى الرغم من ان الدستور السويسري ضمن هذا الحق  الديمقراطي للناخب فضلاً عن دساتير ديمقراطية اخرى ضامنة لهذا الحق بشكل او باخر الا اننا لابد ان نضع في حسباننا انه ليس بالضرورة ان تتشابه تجربتنا الديمقراطية مع تجارب مجتمعات اخرى الى حد التماثل ولكن مع وجود احتمالية الاتساق والتشابه في الخطوط العامة ، لابد ان تبقى لنا احقية تفردنا في تجربتنا الديمقراطية ، وهذه واحدة من مسلمات السيادة الوطنية (لو كان قومي يعلمون(




http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=91422

المرشح الذي يريده الناخب العراقي

د. نهى الدرويش
      عندما ناقشت مع احد المسؤولين الحكوميين مشروعا وطنيا هاما ومبدعا ، تقدمت به الى مؤسسته بهدف التعاون والتنسيق ، بدا لي ذلك المسؤول متحمسا جدا لفكرة المشروع واهميته الوطنية ، ولم تكن هناك اية عقبات مالية او لوجستية لتنفيذه الا عقبة واحدة تتعلق باستدامة المشروع وضمان استمراريته بعد تشكيل الحكومة الجديدة ، وقد تعمدت ان اشدد على هذه النقطة في النقاش لان مخرجات هذا المشروع بعيدة المدى الى حد ما ، لذا فان ايقاف العمل به او الغائه مستقبلا يعني ضياع الكثير من الجهد والمال فضلا عن اندثار الفكرة المبدعة التي يستند عليها المشروع وبالتالي تفويت اية فرصة اخرى لانعاش هذا المشروع او اعادة العمل به مستقبلا .

       وكان السؤال الذي الذي تشير اجابته الى ضمان استمرارية المشروع واستدامته هو : الى اي مدى يمكن ان تكون الحكومة القادمة مؤمنة باهمية واولوية هذا المشروع الديمقراطي ، وبمعنى اخر اكثر صراحة : هل يمكن ضمان ان تكون الحكومة القادمة ستعتمد تطبيق الديمقراطية على وفق اسسها العلمية العقلانية ام لا . وبما انني لم اجد جوابا ينبؤني به الواقع ومؤشراته الموضوعية ، فقد طويت اوراق مشروعي وادخلتها مرحلة السبات رغم اهميتها الملحة للمجتمع العراقي بانتظار ان يحسم صندوق الاقتراع الاجابة على تساؤلاتي.

      ان هذا المشروع وغيره العشرات من المشاريع المدنية الديمقراطية تعتمد على الضمير السياسي للقوى السياسية المرشحة وعلى الحكومة القادمة، وبالتالي على ضمير الناخب العراقي الذي لابد ان يعرف ان قيم المواطنة الصالحة تستوجب عليه ان يختار من له القدرة الحقيقية – وليست ادعاءات برامج انتخابية لا الزام قانوني بها – على ادارة عجلة التطور والتنمية في العراق واعتماد شعار" البدء من حيث انتهى السابقون " ، ذلك ان البدء من نقطة الصفر سيدخل العراق في حلقة مفرغة من المشاكل التنموية وما يرافقها من الصراعات السياسية ، اذ لابد لاي حكومة قادمة ان تعتمد البناء المستمر المستند على التقويم البنائي وتضع معاييرللبناء والتقويم وهذا بالتأكيد يتطلب اهدافا موضوعة مسبقا لابد ان يشار اليها ضمن البرنامج الانتخابي ، واذا ما دخلنا غمار الاهداف وجدنا حاجة ملحة لايضاح الفلسفة الديمقراطية التي يستند اليها البرنامج الانتخابي لاي كتلة سياسية تتمثل في قائمة مرشحة ، لذا فان على جميع الكتل السياسية ان تعي ان وجود اهداف واضحة ومحددة وقابلة للقياس والتقويم وخاضعة للمساءلة من قبل المجتمع بعموم مؤسساته المدنية ، لابد ان يستند على رؤية فلسفية نظرية تحدد نوع الفلسفة الديمقراطية التي يريدها هؤلاء المرشحون بتحالفهم السياسي لضمان تقدم العراق . وبناء على هذا فان على كل مرشحي اية قائمة ان يقدموا عبر وسائل الاعلام والمطبوعات رؤاهم الفلسفية بمنطلقات نظرية تتسق مع برنامجهم الانتخابي ، والا فكيف يمكن للناخب ان يعطي صوته لمن لا يمتلك مثل هذه الرؤية ولا يستطيع ترجمتها لغويا قولا او كتابة ! فالمرشح الذي يعجز عن ذلك هل يستطيع ان يجسدها تطبيقا وعملا مستقبلا ؟ علما ان فاقد الشئ لا يعطيه !. هنا تكمن اهمية التكنوقراط فهم يخاطبون العقول الناخبة بخطاب عقلاني موضوعي وهو علمي بالتأكيد لانه لا يخرج عن اطار منهج الخطاب العلمي ، وهذاما يميز التكنوقراط عن غيرهم لانهم سيكونون عوامل جاذبة لصوت الناخب الواعي الذي نحن بامس الحاجة اليه لانه سيمنح اضافة شرعية حقيقية لأحقية المرشح ، وليست شرعية وهمية تستند على استمالة الجوانب العاطفية واستنهاض قوى التعصب الشخصي والاجتماعي لدى الناخب ، واستمالته من خلال برامج انتخابية ديمقراطية تشدد على حقوق المرأة فيما يمارس مرشحيها شتى انواع الاستبداد ازاء زوجاتهم وبناتهم واخواتهم ، وتؤكد على حتمية القضاء على الفساد المالي والاداري فيما يتبوأ ذويهم واقربائهم ارفع المناصب الادارية في الدولة ، ويخفون تحت اذرعهم اجندات لمكاسب اقتصادية غير مشروعة .

       ويبدو ان على المرشح الديمقراطي الحقيقي – فردا او كتلة مرشحة – ان  يقدم ضمن برنامجه الانتخابي ايضا تفصيلا لاليات الرقابة والمساءلة التي يقترحها على ناخبيه ليعطي شعورا بالامان والطمأنينة (التي يحتاجها الناخب العراقي في هذه المرحلة ) على نزاهة تطبيق برنامجه الانتخابي ، وهذه واحدة من الضمانات التي يمكن ان يقدمها للناخب ليقنعه بجدية ومصداقية برنامجه الانتخابي واعادة ثقة الناخب بالمرشح السياسي التي بدأت تتخلل العلاقة بينهما وانقاذ الناخب من احباطاته السياسية .

     ان المؤشرات المنطقية المستندة الى واقع الناخب العراقي تشير الى تردده في قبول الاجندات السياسية الجديدة لما يعتريها من غموض وسير نحو المجهول ، انه  ببساطة لا يريد ان يبدأ من نقطة الصفر ، فيما هو يعاني من الاحباط  من الاجندات السياسية السابقة نظرا لما تلقاه منها من صراعات لاجل تحقيق مكاسب سياسية فئوية او شخصية كان يمارس فيها دور المتفرج المهمش بحسرة ، انه ببساطة عض اصبعه التي غمسها بحبر الانتخاب ندما ولا يريد ان يعضها مرة اخرى .

    اليس هذا كافيا ليكون دافعا للقوى والاحزاب السياسية التي تطلق برامجها الوطنية الديمقراطية في ان تتحد في الرؤى والاهداف وترسم للعراق منهجا ديمقراطيا وطنيا يتسق مع مبادئ حقوق الانسان التي ترضي كل ضمير عادل ، بدل انجرارها وراء ارضاءات فئوية محدودة قد تجذب لها في هذه المرحلة اصواتا الا انها اصوات غير واعية ، لا عقلانية ، انها اصوات القطيع التي سرعان ما تفقد ولاءها  عند تغير الشروط الموضوعية الناتجة لها .